الآلوسي
35
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
بأنهم في النار وحقيقة لفظه اللّه تعالى أعلم بما كانوا عاملين لو بلغوا ولم يبلغوا والتكليف لا يكون إلا بالبلوغ . و أخرج الشيخان وأصحاب السنن . وغيرهم عن ابن عباس قال : حدثني الصعب بن جثامة قلت : يا رسول اللّه إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين ، قال : هم منهم ، وهو عند المخالفين محمول على أنهم منهم في الأحكام الدنيوية كالاسترقاق . وتوقفت طائفة فيهم ومن هؤلاء أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه ، وقيل فيهم من يدخل الجنة ومن يدخل النار لما أخرج الحكيم الترمذي في النوادر عن عبد اللّه بن شداد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أتاه رجل فسأله عن ذراري المشركين الذين هلكوا صغارا فوضع رأسه ساعة ثم قال : أين السائل ؟ فقال : ها أنا ذا يا رسول اللّه فقال : إن اللّه تبارك وتعالى إذا قضى بين أهل الجنة والنار ولم يبق غيرهم عجوا فقالوا : اللهم ربنا لم تأتنا رسلك ولم نعلم شيئا فأرسل إليهم ملكا واللّه تعالى أعلم بما كانوا عاملين فقال : إني رسول ربكم إليكم فانطلقوا فاتبعوا حتى أتوا النار فقال إن اللّه تعالى يأمركم أن تقتحموا فيها فاقتحمت طائفة منهم ثم خرجوا من حيث لا يشعر أصحابهم فجعلوا في السابقين المقربين ثم جاءهم الرسول فقال إن اللّه تعالى يأمركم أن تقتحموا في النار فاقتحمت طائفة أخرى ثم أخرجوا من حيث لا يشعرون فجعلوا في أصحاب اليمين ثم جاء الرسول فقال : إن اللّه تعالى يأمركم أن تقتحموا في النار فقالوا : ربنا لا طاقة لنا بعذابك فأمر بهم فجمعت نواصيهم وأقدامهم ثم ألقوا في النار . وذهب المحققون إلى أنهم من أهل الجنة وهو الصحيح ويستدل له بأشياء منها الآية على ما سمعت عن الجبائي ، ومنها حديث إبراهيم الخليل عليه السلام حين رآه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا : يا رسول اللّه وأولاد المشركين قال : وأولاد المشركين رواه البخاري في صحيحه ، ومنها ما أخرجه الحكيم الترمذي أيضا في النوادر وابن عبد البر عن أنس قال : سألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أولاد المشركين فقال : هم خدام أهل الجنة . ومنها الآية الآتية حيث أفادت أن لا تعذيب قبل التكليف ولا يتوجه على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يبلغ ، ولم يخالف أحد في أن أولاد المسلمين في الجنة إلا بعض من لا يعتد به فإنه توقف فيهم لحديث عائشة توفي صبي من الأنصار فقلت : طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : أو غير ذلك يا عائشة إن اللّه تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وأجاب العلماء عنه بأنه لعله عليه الصلاة والسلام نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون لها دليل قاطع كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله : أعطه إني لأراه مؤمنا قال أو مسلما الحديث ، ويحتمل أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم قال ذلك في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله اللّه تعالى الجنة بفضله ورحمته إياهم » إلى غير ذلك من الأحاديث ، وقال القاضي : دلت الآية على أن الوزر ليس من فعله تعالى لأنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره ولأنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلا لأن الوازر إنما يوصف بذلك إذا كان مختارا يمكنه التحرز ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بذلك ، وأنت تعلم أن هذا إنما ينتهض على الجبرية لا على الجماعة القائلين لا جبر ولا تفويض وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ بيان للعناية الربانية إثر بيان اختصاص آثار الهداية والضلال بأصحابها وعدم حرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدم مؤاخذة النفس بجناية غيرها أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنية على الحكم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائنا السابق أن نعذب أحدا بنوع ما من العذاب دنيويا كان أو أخرويا على فعل شيء أو ترك شيء أصليا كان أو فرعيا حَتَّى نَبْعَثَ إليه رَسُولًا يهدي إلى الحق ويردع عن الضلال ويقيم الحجج